محمد متولي الشعراوي
4060
تفسير الشعراوى
ويقول العلماء : إن المراد من السجود هو الخضوع والتعظيم ، وليس السجود كما نعرفه ، وقال البعض الآخر : المراد بالسجود هو السجود الذي نعرفه ، وأن آدم كان كالقبلة مثل الكعبة التي نتجه إليها عند الصلاة . ولكن لنا هنا ملاحظة ، ونقول : إننا لا نسجد إلا للّه ، وما دام ربنا قد قال : اسجدوا فالسجود هنا هو امتثال لأمر خالق آدم . والنية إذن لم تكن عبادة لآدم ، ولكنها طاعة لأمر للّه الأول . والأمر بالسجود لآدم قد أراده اللّه ؛ لأنه سبحانه سخر الكون كله لخدمة آدم ، ومن الملائكة مدبرات أمر ، ومنه حفظة ، ومنهم من هو بين يدي اللّه ، فلم يكن السجود الملائكة خضوعا من الملائكة لآدم ، بل هو طاعة لأمر اللّه ، ولذلك سجد من الملائكة الموكلون بالأرض وخدمة الإنسان ، لكن الملائكة المقربون لا يدرون شيئا عن أمر آدم ، ولذلك يقول الحق لإبليس : . . أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ( 75 ) [ سورة ص ] والمقصود بالعالين الملائكة الذين لم يشهدوا أمر السجود لآدم ، فليس للملائكة العالين عمل مع آدم ؛ لأن الأمر بالسجود قد صدر لمن لهم عمل مع آدم وذريته والذين يقول فيهم الحق سبحانه : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ . . ( 11 ) [ سورة الرعد ] وهناك الرقيب ، والعتيد والقعيد . وفي كل ظاهرة من ظواهر الكون هناك ملك مخصوص بها ، ويبلغنا الحق بمسألة الخلق ، والخطاب لنا خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وهذا ترتيب اخبارى ، وليس ترتيبا للأحداث . أو أن الحق سبحانه وتعالى طمر الخلق جميعا في خلق آدم ، والعلم الحديث يعطينا أيضا مؤشرات على ذلك ، حين يأتون ببذرة ويكتشفون فيها كل مقومات الثمرة ، وكذلك الحيوان المنوى توجد فيه كل صفات الإنسان . ولذلك نجدهم حين يدرسون قانون الوراثة يقولون : إن حياة كل منا تتسلسل عن آخر ، فأنت من ميكروب أبيك ، وقد نزل من والدك وهو حي ، ولو أنه نزل ميتا لما اتصل الوجود . ووالدك جاء من ميكروب جده وهو حي ، وعلى ذلك فكل كائن الآن فيه